فصل: سورة الانفطار

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


الجزء التاسع

سورة النبأ

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 40‏]‏

‏{‏عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏1‏)‏ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ‏(‏6‏)‏ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ‏(‏7‏)‏ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ‏(‏8‏)‏ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ‏(‏9‏)‏ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ‏(‏10‏)‏ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ‏(‏11‏)‏ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ‏(‏12‏)‏ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ‏(‏13‏)‏ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ‏(‏14‏)‏ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ‏(‏15‏)‏ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ‏(‏16‏)‏ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ‏(‏17‏)‏ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ‏(‏18‏)‏ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ‏(‏19‏)‏ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ‏(‏20‏)‏ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ‏(‏21‏)‏ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ‏(‏22‏)‏ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ‏(‏23‏)‏ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ‏(‏24‏)‏ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ‏(‏25‏)‏ جَزَاءً وِفَاقًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ‏(‏27‏)‏ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ‏(‏28‏)‏ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ‏(‏29‏)‏ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ‏(‏30‏)‏ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ‏(‏31‏)‏ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ‏(‏32‏)‏ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ‏(‏33‏)‏ وَكَأْسًا دِهَاقًا ‏(‏34‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ‏(‏35‏)‏ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ‏(‏36‏)‏ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ‏(‏37‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا ‏(‏39‏)‏ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عم يتساءلون‏}‏ أصله «عنْ ما» فأدغمت النون في الميم، وحذفت ألف «ما» كقولهم‏:‏ فيم، وبم، قال المفسرون‏:‏ لما بُعِثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَعَلَ المشركون يتساءلون بينهم، فيقولون‏:‏ ما الذي أتى به‏؟‏ ويتجادلون، ويختصمون فيما بعث به، فنزلت هذه الآية‏.‏ واللفظ لفظ استفهام، والمعنى‏:‏ تفخيم القصة، كما يقولون‏:‏ أيُّ شيء زيد‏؟‏ إذا أردت تعظيم شأنه‏.‏ ثم بيَّن ما الذي يتساءلون عنه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏عن النبإ العظيم‏}‏ يعني عن الخبر العظيم الشأن‏.‏ وفيه ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ القرآن، قاله مجاهد، ومقاتل، والفراء‏.‏ قال الفراء‏:‏ فلما أجاب صارت «عم» كأنها في معنى‏:‏ لأي شيءٍ يتساءلون عن القرآن‏.‏

والثاني‏:‏ البعث، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي هم فيه مختلفون‏}‏ من قال‏:‏ إنه القرآن، فإن المشركين اختلفوا فيه، فقال بعضهم‏:‏ هو سحر، وقال بعضهم‏:‏ هو شعر، وقال بعضهم‏:‏ أساطير الأولين، إلى غير ذلك، وكذلك من قال‏:‏ هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأما من قال‏:‏ إنه البعث والقيامة، ففي اختلافهم فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم اختلفوا فيه لما سمعوا به، فمنهم من صدَّق وآمن، ومنهم من كذَّب، وهذا معنى قول قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن المسلمين والمشركين اختلفوا فيه، فصدَّق به المسلمون، وكذَّب به المشركون، قاله يحيى بن سلام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هي ردع وزجر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هي نفي لاختلافهم، والمعنى‏:‏ ليس الأمر على ما قالوا ‏{‏سيعلمون‏}‏ عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر ‏{‏ثم كلا سيعلمون‏}‏ وعيد على إثر وعيد‏.‏ وقرأ ابن عامر «ستعلمون» في الحرفين بالتاء‏.‏ ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم نجعل الأرض مهاداً‏}‏ أي‏:‏ فراشاً وبساطاً ‏{‏والجبال أوتاداً‏}‏ للأرض لئلا تميد ‏{‏وخلقناكم أزواجاً‏}‏ أي‏:‏ أصنافاً، وأضداداً، ذكوراً، وإناثاً، سوداً، وبيضاً، وحمراً ‏{‏وجعلنا نومكم سباتاً‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أي‏:‏ راحة لأبدانكم‏.‏ وقد شرحنا هذا في ‏[‏الفرقان‏:‏ 47‏]‏ وشرحنا هناك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا الليل لباساً‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا النهار معاشاً‏}‏ أي‏:‏ سبباً لمعاشكم‏.‏ والمعاش‏:‏ العيش، وكل شيء يُعَاشُ به، فهو مَعَاشٌ‏.‏ والمعنى‏:‏ جعلنا النهار مطلباً للمعاش‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ معاشاً، أي‏:‏ عيشاً، وهو مصدر ‏{‏وبَنَيْنَا فوقكم سبعاً شداداً‏}‏ قال مقاتل‏:‏ هي السموات، غِلظ كل سماءٍ مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مثل ذلك، وهي فوقكم يا بني آدم‏.‏ فاحذروا أن تَعْصُوا فَتَخِرُّ عليكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا سراجاً‏}‏ يعني‏:‏ الشمس ‏{‏وهَّاجاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هو المضيء‏.‏ وقال اللغويون‏:‏ الوهَّاج‏:‏ الوقَّاد‏.‏ وقيل‏:‏ الوهَّاج يجمع النور والحرارة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزلنا من المعصرات‏}‏ فيها ثلاث أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها السموات، قاله أُبَيّ بن كعب، والحسن، وابن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الرّياح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ هي الجنوب‏.‏ فعلى هذا القول تكون «مِنْ» بمعنى «الباء»، فتقديره‏:‏ بالمعصرات‏.‏ وإنما قيل للرياح‏:‏ معصرات، لأنها تستدرُّ المطر‏.‏

والثالث‏:‏ أنها السحاب، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، والضحاك، والربيع‏.‏ قال الفراء‏:‏ السحابة المعصر‏:‏ التي تتحلَّب بالمطر ولما يجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تحضْ‏.‏ وكذلك قال ابن قتيبة‏:‏ شبِّهت السحاب بمعاصير الجواري، والمُعصِرُ‏:‏ الجارية التي قد دنت من الحيض‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ إنما قيل للسحاب‏:‏ معصرات، كما قيل‏:‏ أجزَّ الزرع، فهو مُجِزُّ، أي‏:‏ صار إلى أن يُجَزَّ، فكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر، فقد أعصر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ماءً ثجاجاً‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أي‏:‏ مطراً كثيراً مُنْصبّاً يتبع بعضُه بعضاً‏.‏ وقال غيره‏:‏ يقال‏:‏ ثجَّ الماء يثج‏:‏ إذا انصبَّ ‏{‏لِنُخْرِجَ به‏}‏ أي‏:‏ بذلك الماء ‏{‏حباً ونباتاً‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن الحب‏:‏ ما يأكله الناس، والنبات‏:‏ ما تنبته الأرض مما يأكل الناس والأنعام، هذا قول الجمهور‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أَكَلَتْهُ الماشية من الكلإ، فهو نبات‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحب‏:‏ اللؤلؤ، والنبات‏:‏ العشب‏.‏ قال عكرمة‏:‏ ما أنزل الله من السماء قطراً، إلا أنبت به في البحر لؤلؤاً، وفي الأرض عشباً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَنََّاتٍ‏}‏ يعني‏:‏ بساتين ‏{‏ألفافاً‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ أي‏:‏ ملتَفَّة من الشجر ليس بينها خلال، الواحدة‏:‏ لَفَّاء، وجنّات لُفٌّ، وجمع الجمع‏:‏ ألْفَافٌ‏.‏ قال المفسرون‏:‏ فدلَّ بذكر المخلوقات على البعث‏.‏ ثم أخبر عن يوم القيامة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن يوم الفصل‏}‏ أي‏:‏ يوم القضاء بين الخلائق ‏{‏كان ميقاتاً‏}‏ لما وعد الله من الثواب والعقاب‏.‏ ‏{‏يوم ينفخ في الصور فتأتون‏}‏ من قبوركم ‏{‏أفواجاً‏}‏ أي‏:‏ زُمَراً زُمَراً من كل مكان ‏{‏وفُتِحَت السماء‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، و«فُتِّحت» بالتشديد‏.‏ وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالتخفيف، وإنما تفتح لنزول الملائكة ‏{‏فكانت أبواباً‏}‏ أي‏:‏ ذات أبواب ‏{‏وسُيِّرت الجبال‏}‏ عن أماكنها ‏{‏فكانت سراباً‏}‏ أي‏:‏ كالسراب، لأنها تصير هباءً منبثَّاً فيراها الناظر كالسراب بعد شِدَّتها وصلابتها ‏{‏إن جهنم كانت مرصاداً‏}‏ قال المبرد‏:‏ مرصاداً يرصدون به، أي‏:‏ هو مُعَدٌّ لهم يَرصُد بها خزنتها الكفارَ‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ المرصاد‏:‏ المكان الذي يَرصُد فيه الراصد العدُوَّ‏.‏ ثم بين لمن هي مرصاد فقال تعالى ‏{‏للطاغين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ للمشركين ‏{‏مآباً‏}‏ أي‏:‏ مرجعاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لابثين‏}‏ وقرأ حمزة «لَبِثين» والمعنى‏:‏ فيهما واحد‏.‏ يقال‏:‏ هو لابث بالمكان، ولبث‏.‏ ومثله طَامع، وطَمِع، وفَارِه، وفَرِه‏.‏ وأما الأحقاب فجمع حقب، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في ‏[‏الكهف 60‏]‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ ما معنى ذكر الأحقاب، وخلودهم في النار لا نفاد له‏؟‏ فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن هذا لا يدل على غاية، لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب‏.‏

ولو أنه قال «لابثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة» دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة، والجمهور‏.‏ وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يُتَصَوَّرُ دخوله تحت العدد، وإن لم يكن لها نهاية‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ أنهم يلبثون فيها أحقاباً ‏{‏لا يذوقون‏}‏ في الأحقاب ‏{‏برداً ولا شراباً‏}‏ فأما خلودهم في النار فدائم‏.‏ هذا قول الزجاج‏.‏ وبيانه أن الأحقاب حَدٌّ لعذابهم بالحميم والغَسّاق، فإذا انقضت الأحقاب عُذِّبوا بغير ذلك من العذاب‏.‏ وفي المراد «بالبرد» ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه برد الشراب‏.‏ روى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ لا يذوقون فيها برد الشراب، ولا الشراب‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الرَّوْح والراحة، قاله الحسن، وعطاء‏.‏

والثالث‏:‏ أنه النوم، قاله مجاهد، والسدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، وأنشدوا‏:‏

فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتَ النِّساءَ سِوَاكُمُ *** وَإنْ شِئْتَ لَمُ أَطْعَمْ نُقَاخَاً وَلاَ بَرْدَاً

قال ابن قتيبة‏:‏ النقاخ‏:‏ الماء، والبرد‏:‏ النوم، سمي بذلك لأنه تبرد فيه الحرارة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ لا يذوقون فيها برداً ينفعهم من حرها، ولا شراباً ينفعهم من عطش ‏{‏إلا حميماً وغساقاً‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «غَسَاقاً» بالتخفيف‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وحفص عن عاصم بالتشديد‏.‏ وقد تقدم ذكر الحميم، والغساق ‏[‏ص 57‏]‏ ‏{‏جزاءً وفاقاً‏}‏ قال الفراء‏:‏ وِفْقاً لأعمالهم‏.‏ وقال غيره‏:‏ جُوزوا جزاءً وفاقاً لأعمالهم على مقدارها، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النّار‏.‏

‏{‏إنهم كانوا لا يرجون حساباً‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا يخافون أن يحاسبوا، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ لا يرجون ثواب حساب، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذَّبوا بآياتنا كذاباً‏}‏ قال الفراء‏:‏ الكِذَّاب بالتشديد لغة يمانية فصيحة، يقولون‏:‏ كذَّبت به كِذَّاباً، وخرَّقت القميص خِرَّاقاً، وكل «فَعَّلْتُ» فمصدره في لغتهم مُشَدَّد‏.‏ قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني‏:‏ الحَلْقُ أحب اليك، أم القِصَّار‏؟‏ وأنشدني بعض بني كلاب‏:‏

لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطَتني عن صَحَابَتي *** وَعَنْ حوَجٍ قِضَّاؤها من شِفَائِيَا

وأما أهل نجد، فيقولون‏:‏ كذَّبت به تكذيباً‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ الكِّذاب أشد من الكِذَاب وهما مصدر المكاذبة‏.‏ قال الأعشى‏:‏

فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها *** وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهْ

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكلّ شيء أحصيناه‏}‏ قال الزجاج‏:‏ «كلَّ» منصوب بفعل مضمر تفسيره‏:‏ أحصيناه، والمعنى‏:‏ أحصينا كل شيءٍ، و‏{‏كتاباً‏}‏ توكيد ل «أحصيناه»، لأن معنى «أحصيناه» و«كتبناه» فيما يحصل ويثبت واحد‏.‏ فالمعنى‏:‏ كتبناه كتاباً‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وكلّ شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ ‏{‏فذوقوا‏}‏ أي‏:‏ فيقال لهم‏:‏ ذوقوا جزاء فعالكم ‏{‏فلن نزيدكم إلا عذاباً‏.‏ إن للمتقين‏}‏ الذين لم يشركوا ‏{‏مفازاً‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ متنزَّهاً، قاله ابن عباس، والضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ فازوا بأن نَجَوْا من النار بالجنة، ومن العذاب بالرحمة، قاله قتادة‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ «مفازاً» في موضع «فوز» ‏{‏حدائق‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ الحدائق‏:‏ بساتين نخل، واحدها‏:‏ حديقة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكواعب‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ الكواعب‏:‏ النواهد‏.‏ قال ابن فارس‏:‏ يقال‏:‏ كعبت المرأة كعابة، فهي كاعب‏:‏ إذا نَتَأَ ثَدْيُها‏.‏ وقد ذكرنا معنى «الأتراب» في ‏[‏ص‏:‏ 52‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكأساً دهاقاً‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الملأى، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنها المتتابعة‏.‏ رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير‏.‏ وعن مجاهد كالقولين‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الصافية، قاله عكرمة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يسمعون فيها‏}‏ أي‏:‏ في الجنة إذا شربوها ‏{‏لغواً‏}‏ وقد ذكرناه في ‏[‏الطور‏:‏ 23‏]‏ وغيرها ‏{‏ولا كِذَّاباً‏}‏ أي‏:‏ لا يكذِّب بعضهم بعضاً، لأن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلَّموا بالباطل، وأهل الجنة مُنَزَّهون عن ذلك‏.‏ قال الفراء‏:‏ وقراءة علي رضي الله عنه «كِذَاباً» بالتخفيف، كأنه والله أعلم لا يتكاذبون فيها‏.‏ وكان الكسائي يخفِّف هذه ويشدِّد، و«كذَّبوا بآياتنا كذِّاباً» لأن «كذَّبوا» يقيد «الكذاب» بالمصدر، وهذه ليست مقيدة بفعل يصيِّرها مصدراً‏.‏ وقد ذكرنا عن أبي عبيدة أن الكِذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة‏.‏ وقال أبو علي الفارسي‏:‏ «الكِذَاب» بالتخفيف مصدر «كَذَب» مثل «الكِتَاب» مصدر «كَتَبَ»‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جزاءً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ جازاهم بذلك جزاءً، وكذلك «عطاءً» لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد‏.‏ و‏{‏حساباً‏}‏ معناه‏:‏ ما يكفيهم، أي‏:‏ فيه كل ما يشتهون‏.‏ يقال‏:‏ أحسبني كذا بمعنى كفاني‏.‏ ‏{‏ربِّ السموات‏}‏ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والمفضل، «ربُّ السموات والأرض وما بينهما الرحمنُ» برفع الباء من «رب» والنون من «الرحمن» على معنى‏:‏ هو ربُّ السموات‏.‏ وقرأ عاصم، وابن عامر بخفض الباء والنون على الصفة من «ربِّك»‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء ورفع النون، واختار هذه القراءة الفراء، ووافقه على هذا جماعة، وعلَّلوا بأن الربَّ قريب من المخفوض، والرحمن بعيد منه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يملكون منه خطاباً‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه قاله ابن السائب‏.‏

والثاني‏:‏ لا يقدر الخلق أن يكلِّموا الربَّ إلا بإذنه، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يقوم الروح‏}‏ فيه سبعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه جند من جند الله تعالى، وليسوا بملائكة، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مَلَك أعظم من السموات، والجبال، والملائكة، قاله ابن مسعود، ومقاتل بن سليمان‏.‏ وروى عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ الروح مَلَك ما خلق الله أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صَفَّاً، وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عِظَمُ خَلْقِه مِثْلَ صفوفهم‏.‏

والثالث‏:‏ أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تُرَدَّ إلى الأجسام، رواه عطية عن ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أنه جبريل عليه السلام قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك‏.‏

والخامس‏:‏ أنهم بنو آدم، قاله الحسن، وقتادة‏.‏

والسادس‏:‏ أنه القرآن، قاله زيد بن أسلم‏.‏

والسابع‏:‏ أنهم أشرف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والملائكةُ صفّاً‏}‏ قال الشعبي‏:‏ هما سماطان، سماط من الروح، وسماط من الملائكة، فعلى هذا يكون المعنى‏:‏ يوم يقوم الرُّوحُ صفاً، والملائكة صفاً‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏صفاً‏}‏ صفوفاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يتكلَّمون‏}‏ يعني‏:‏ الخلق كلهم ‏{‏إلا من أذن له الرحمن‏}‏ في الكلام ‏{‏وقال صواباً‏}‏ أي‏:‏ قال في الدنيا صواباً، وهو الشهادة بالتوحيد عند أكثر المفسرين‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ قال حقاً في الدنيا، وعمل به ‏{‏ذلك اليوم الحق‏}‏ الكائن الواقع بلا شك ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً‏}‏ أي‏:‏ مرجعاً إليه بطاعته‏.‏ ثم خَوَّفَ كفَّار مكة، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أنذرناكم عذاباً قريباً‏}‏ وهو عذاب الآخرة، وكل آتٍ قريبٌ ‏{‏يوم ينظر المرء ما قدَّمت يداه‏}‏ أي‏:‏ يرى عمله مثبَتاً في صحيفته خيراً كان أو شراً ‏{‏ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً‏}‏ يا ليتني لم أُبعث‏.‏ وحكى الثعلبي عن بعض أشياخه أنه رأى في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا‏:‏ إبليس، وذلك أنه عاب آدم، لأنه خُلِقَ من التراب، فتمنَّى يوم القيامة أنه كان بمكان آدم، فقال‏:‏ يا ليتني كنت تراباً‏.‏

سورة النازعات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ‏(‏1‏)‏ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ‏(‏2‏)‏ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ‏(‏4‏)‏ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ‏(‏6‏)‏ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ‏(‏7‏)‏ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ‏(‏8‏)‏ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ‏(‏9‏)‏ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ‏(‏10‏)‏ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ‏(‏11‏)‏ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ‏(‏12‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ‏(‏13‏)‏ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والنازعات‏}‏ فيه سبعة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الملائكة تَنْزِعُ أرْواح الكفَّار، قاله علي، وابن مسعود‏.‏ وروى عطية عن ابن عباس قال‏:‏ هي الملائكة تَنْزِع نفوسَ بني آدم، وبه قال مسروق‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الموت يَنْزِع النفوسَ، قاله مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أنها النفس حين تُنْزَعُ، قاله السدي‏.‏

والرابع‏:‏ أنها النجوم تَنْزِع من أُفُق الى أُفُق تطلع ثم تغيب، قاله الحسن، وقتادة، وأبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان‏.‏

والخامس‏:‏ أنها القِسِيّ تَنْزِع بالسَّهم، قاله عطاء، وعكرمة‏.‏

والسادس‏:‏ أنها الوحوش تنزع وتنفر، حكاه الماوردي‏.‏

والسابع‏:‏ أنها الرُّماةُ، حكاه الثعلبي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غرقاً‏}‏ اسم أقيم مقام الإغراق‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ والمعنى‏:‏ والنازعات إغراقاً، كما يغرق النازع في الفوس، يعني أنه يبلغ به غاية المد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والناشطات نشطاً‏}‏ فيه خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الملائكة‏.‏ ثم في معنى الكلام قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنها حين تنشط أرواح الكفار حتى تخرجها بالكرب والغمِّ، قاله علي رضي الله عنه‏.‏ قال مقاتل‏:‏ ينزع ملك الموت روح الكافر، فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه، فيعذِّبه في حياته، ثم ينشطها من حلقه أي‏:‏ يجذبها كما ينشط السفّود من الصوف المبتل‏.‏ والثاني‏:‏ أنها تنشط أرواح المؤمنين بسرعة، كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنها، قاله ابن عباس‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الذي سمعته من العرب‏:‏ كما أُنْشِط من عِقَال بألف‏.‏ تقول‏:‏ إذا ربطت الحبل في يد البعير‏:‏ نشطته، فإذا حللته قلت‏:‏ أنشطته‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وبيانه أن المؤمن يرى منزله من الجنة قبل الموت فتنشط نفسه لذلك‏.‏

والثالث‏:‏ أن الناشطات‏:‏ الموت ينشط نفس الإنسان، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي‏:‏ تذهب، قاله قتادة، وأبو عبيدة، والأخفش‏.‏ ويقال لبقر الوحش‏:‏ نواشط، لأنها تذهب من موضع إلى موضع‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ والهموم تنشط بصاحبها‏.‏ قال هميان بن قحافة‏:‏

أَمْسَتْ همومي تَنْشِط المنَاشِطَا *** الشَّامَ بي طَوْراً وطَوْراً وَاسِطَا

والخامس‏:‏ أنها النفس حين تَنْشط بالموت، قاله السدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسابحات سبحاً‏}‏ فيه ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، قاله علي رضي الله عنه‏.‏ قال ابن السائب‏:‏ يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء‏.‏ فأحياناً ينغمس، وأحياناً يرتفع، يسلُّونها سلاً رفيقاً، ثم يَدَعُونها حتى تستريح‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كما يقال للفرس الجواد‏:‏ سابح‏:‏ إذا أسرع في جريه، قاله مجاهد، وأبو صالح، والفراء‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الموت يسبح في نفوس بني آدم، روي عن مجاهد أيضاً‏.‏

والرابع‏:‏ أنها السفن تسبح في الماء، قاله عطاء‏.‏

والخامس‏:‏ أنها النجوم، والشمس، والقمر، كل في فلك يسبحون، قاله قتادة، وأبو عبيدة‏.‏

والسادس‏:‏ أنها الخيل، حكاه الماوردي‏.‏

قوله تعالى ‏{‏فالسابقات سبقاً‏}‏ فيه خمسة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الملائكة‏.‏ ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ أنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، قاله علي، ومسروق‏.‏ والثاني‏:‏ أنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، قاله مجاهد، وأبو رَوْق‏.‏ والثالث‏:‏ أنها سبقت بني آدم الى إلإيمان، قاله الحسن‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقاً إلى لقاء الله، فيقبضونها وقد عاينت السرور، قاله ابن مسعود‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الموت يسبق إلى النفوس، روي عن مجاهد أيضاً‏.‏

والرابع‏:‏ أنها الخيل، قاله عطاء‏.‏

والخامس‏:‏ أنها النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير، قاله قتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالمدبِّرات أمراً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هي الملائكة‏.‏ قال عطاء‏:‏ وُكِّلتْ بأمور عَرَّفهم الله العمل بها، وقال عبد الرحمن بن سابط‏:‏ يُدَبِّر أمر الدنيا أربعة أملاك‏:‏ جبريل، وهو موكل بالرِّياح والجنود‏.‏ وميكائيل، وهو موكل بالقطر والنبات‏.‏ وملك الموت، وهو موكل بقبض الأنفس‏.‏ وإسرافيل، وهو يَنزل بالأمر عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ بل جبريل للوحي، وإسرافيل للصور‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ فالمدبِّرات أمراً‏:‏ تنزل بالحلال والحرام‏.‏

فإن قيل‏:‏ أين جواب هذه الأقسام، فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن الجواب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لعبرة لمن يخشى‏}‏، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أن الجواب مضمر، تقديره‏:‏ لَتُبْعَثُنَّ وَلَتُحاسَبُنَّ، ويدل على هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أئذا كنا عِظَاماً نَخِرَةً‏}‏ قاله الفراء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم تُرجف الراجفة‏}‏، وهي النفخة الأولى التي يموت منها جميع الخلائق‏.‏ و«الراجفة» صيحة عظيمة فيها تردُّدٌ واضطراب كالرعد إذا تمحض‏.‏ و«ترجف» بمعنى‏:‏ تتحرَّك حركة شديدةً ‏{‏تتبعها الرادفة‏}‏ وهي‏:‏ النفخة الثانية ردفت الأولى، أي‏:‏ جاءت بعدها‏.‏ وكل شيء جاء بعد شيءٍ فهو يردفه ‏{‏قلوب يومئذ واجفة‏}‏ أي‏:‏ شديدة الاضطراب لما عاينت من أهوال القيامة، ‏{‏أبصارها خاشعة‏}‏ أي‏:‏ ذليلةٌ لمعاينة النار‏.‏ قال عطاء‏:‏ وهذه أبصار من لم يمت على الإسلام‏.‏ ويدل على هذا أنه ذَكَرَ منكري البعث، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يقولون أئنا لمردودون في الحافرة‏}‏ قرأ ابن عامر وأهل الكوفة «أئنا» بهمزتين مخففتين على الاستفهام، وقرأ الباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية، وفصل بينهما بألف نافع وأبو عمرو‏.‏

وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الحافرة‏:‏ الحياة بعد الموت‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنرجع أحياءً بعد موتنا‏؟‏‏!‏ وهذا قول ابن عباس، وعطية، والسدي‏.‏ قال الفراء‏:‏ يعنون‏:‏ أَنُرَدُّ إلى أمرنا الأول إلى الحياة‏؟‏‏!‏ والعرب تقول‏:‏ أتيت فلاناً، ثم رجعت على حافرتي، أي‏:‏ رجعت من حيث جئت‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ يقال‏:‏ رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته‏:‏ إذا رجع من حيث جاء، وهذا قول الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فَسُمِّيت حافرةً، والمعنى‏:‏ محفورة، كما يقال ‏{‏ماء دافق‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 6‏]‏ و‏{‏عيشة راضية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 21‏]‏ وهذا قول مجاهد، والخليل‏.‏ فيكون المعنى‏:‏ أئنا لمردودون إلى الأرض خلقاً جديداً‏؟‏‏!‏

قال ابن قتيبة‏:‏ «في الحافرة» أي‏:‏ إلى أول أمرنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 33‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ‏(‏16‏)‏ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ‏(‏17‏)‏ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ‏(‏19‏)‏ فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ‏(‏20‏)‏ فَكَذَّبَ وَعَصَى ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ‏(‏22‏)‏ فَحَشَرَ فَنَادَى ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ‏(‏24‏)‏ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏26‏)‏ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ‏(‏27‏)‏ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ‏(‏28‏)‏ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ‏(‏29‏)‏ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ‏(‏30‏)‏ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ‏(‏31‏)‏ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ‏(‏32‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل أتاك حديث موسى‏}‏ أي‏:‏ قد جاءك‏.‏ وقد بيَّنَّا هذا في ‏[‏طه‏:‏ 9‏]‏ وما بعده إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏طوى اذهب‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «طوى اذهب» غير مُجراةٍ‏.‏ وقرأ الباقون «طوىً» منونة ‏{‏فقل هل لك إلى أن تَزَكَّى‏}‏ وقرأ ابن كثير، ونافع «تَزَّكَّى» بتشديد الزاي، أي‏:‏ تَطَّهَّر من الشرك ‏{‏وأَهْدِيَكَ إلى ربك‏}‏ أي‏:‏ أدعوك إلى توحيده، وعبادته ‏{‏فتخشى‏}‏ عذابه ‏{‏فأراه الآية الكبرى‏}‏ وفيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها اليد والعصا، قاله جمهور المفسرين‏.‏ والثاني‏:‏ أنها اليد، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكذب‏}‏ أي‏:‏ بأنها من الله، ‏{‏وعصى‏}‏ نبيَّه ‏{‏ثم أدبر‏}‏ أي‏:‏ أعرض عن الإيمان ‏{‏يسعى‏}‏ أي‏:‏ يعمل بالفساد في الأرض ‏{‏فحشَر‏}‏ أي‏:‏ فجمع قومه وجنوده ‏{‏فنادى‏}‏ لما اجتمعوا ‏{‏فقال أنا ربكم الأعلى‏}‏ أي‏:‏ لا ربَّ فوقي‏.‏ وقيل أراد أن الأصنام أرباب، وأنا ربُّها وربُّكم‏.‏ وقيل‏:‏ أراد‏:‏ أنا ربُّ السادة والقادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأخذه الله نكال الآخرة والأولى‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الأولى قوله ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏ والآخرة قوله «أنا ربكم الأعلى»، قاله ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، ومقاتل، والفراء‏.‏ ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وكان بينهما أربعون سنة‏.‏ قال السدي‏:‏ فبقي بعد الآخرة ثلاثين سنة‏.‏ قال الفراء‏:‏ فالمعنى‏:‏ أخذه الله أخذاً نكالاً للآخرة والأولى‏.‏

والثاني‏:‏ المعنى‏:‏ جعله الله نكال الدنيا والآخرة، أغرقه في الدنيا، وعذَّبه في الآخرة، قاله الحسن، وقتادة‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ عذَّبه الله في أول النهار بالغَرَق، وفي آخره بالنَّار‏.‏

والثالث‏:‏ أن الأولى‏:‏ تكذيبه وعصيانه‏.‏ والآخرة قوله‏:‏ «أنا ربكم الأعلى»، قاله أبو رزين‏.‏

والرابع‏:‏ أنها أول أعماله وآخرها، رواه منصور عن مجاهد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ النكال‏:‏ منصوب مصدر مؤكد، لأن معنى أخذه الله‏:‏ نكل الله به نكال الآخرة والأولى‏:‏ فأغرقه في الدنيا ويعذِّبه في الآخرة‏.‏ قوله تعالى ‏{‏إن في ذلك‏}‏ الذي فُعِل بفرعون ‏{‏لعبرةً‏}‏ أي‏:‏ لعظةً ‏{‏لمن يخشى‏}‏ الله‏.‏

ثم خاطب منكري البعث، فقال تعالى ‏{‏أأنتم أشد خلقاً أم السماءُ بناها‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ذهب بعض النحويين الى أن قوله تعالى ‏{‏بناها‏}‏ من صفة السماء، فيكون المعنى‏:‏ أم السماء التي بناها‏.‏ وقال قوم‏:‏ السماء ليس مما توصل، ولكن المعنى‏:‏ أأنتم أشد خلقاً، أم السماءُ أشد خلقاً‏.‏ ثم بيَّن كيف خلقها، فقال تعالى ‏{‏بناها‏}‏ قال المفسرون‏:‏ أخَلْقُكم بعدَ الموت أشدُّ عندكم، أم السماءُ في تقديركم‏؟‏ وهما في قدرة الله واحد‏.‏ ومعنى‏:‏ «بناها» رفعها‏.‏ وكل شيء ارتفع فوق شيءٍ فهو بناءٌ‏.‏ ومعنى ‏{‏رفع سَمْكها‏}‏ رفع ارتفاعها وعلوَّها في الهواء «فسوَّاها» بلا شقوق، ولا فُطور، ولا تفاوت، يرتفع فيه بعضها على بعض ‏{‏وأغطش ليلها‏}‏ أي‏:‏ أظلمه فجعله مظلماً‏.‏

قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ غطش الليل وأغطش، وغبش وأغبش، وغسق وأغسق، وغشي وأغشى، كله بمعنى أظلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأخرج ضحاها‏}‏ أي‏:‏ أبرز نهارها‏.‏ والمعنى‏:‏ أظهر نورها بالشمس‏.‏ وإنما أضاف النور والظلمة إلى السماء لأنهما عنها يصدران ‏{‏والأرض بعد ذلك‏}‏ أي‏:‏ بعد خلق السماء ‏{‏دحاها‏}‏ أي‏:‏ بسطها‏.‏ وبعض من يقول‏:‏ إن الأرض خلقت قبل السماء يزعم أن «بعد» هاهنا بمعنى «قبل»، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذِّكر‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وبعضهم يقول‏:‏ هي بمعنى «مع» كقوله تعالى ‏{‏عُتُلٍّ بعد ذلك زنيم‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 13‏]‏ ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل السماء، ثم دحيت بعد كمال السماء، وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص‏.‏ وقد أشرنا إلى هذا الخلاف في ‏[‏البقرة‏:‏ 29‏]‏ ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏دحاها‏}‏‏.‏

‏{‏أخرج منها ماءها‏}‏ أي‏:‏ فجَّر العيون منها ‏{‏ومرعاها‏}‏ وهو ما يأكله الناس والأنعام ‏{‏والجبال أرساها‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ أثبتها ‏{‏متاعاً لكم‏}‏ أي‏:‏ للإمتاع، لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها‏:‏ أمتع بذلك‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ «متاعاً لكم» أي‏:‏ منفعة ‏[‏لكم‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 46‏]‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ‏(‏34‏)‏ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ‏(‏35‏)‏ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ‏(‏36‏)‏ فَأَمَّا مَنْ طَغَى ‏(‏37‏)‏ وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏38‏)‏ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏39‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ‏(‏40‏)‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏41‏)‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ‏(‏42‏)‏ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ‏(‏43‏)‏ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ‏(‏44‏)‏ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ‏(‏45‏)‏ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ‏(‏46‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا جاءت الطامة الكبرى‏}‏ والطامة‏:‏ الحادثة التي تطمُ على ما سواها، أي‏:‏ تعلو فوقه‏.‏ وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ النفخة الثانية التي فيها البعث‏.‏

والثاني‏:‏ أنها حين يقال لأهل النار‏:‏ قوموا إلى النار‏.‏

والثالث‏:‏ أنها حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يتذكَّر الإنسان ما سعى‏}‏ أي‏:‏ ما عمل من خير وشر ‏{‏وبُرِّزَتِ الجحيم لمن يرى‏}‏ أي‏:‏ لأبصار الناظرين‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق‏.‏ وقرأ أبو مجلز، وابن السميفع «لمن ترى» بالتاء‏.‏ وقرأ ابن عباس، ومعاذ القارئ «لمن رأى» بهمزة بين الراء والألف‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأما من طغى‏}‏ في كفره ‏{‏وآثر الحياة الدنيا‏}‏ على الآخرة ‏{‏فإن الجحيم هي المأوى‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ هي المأوى له‏.‏ وهذا جواب «فإذا جاءت الطامة» فإن الأمر كذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأما من خاف مقام ربه‏}‏ قد ذكرناه في سورة ‏[‏الرحمن‏:‏ 46‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونهى النفس عن الهوى‏}‏ أي‏:‏ عما تهوى من المحارم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ هو الرجل يَهُمّ بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب، فيتركها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة أيّان مرساها‏}‏ قد سبق في ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏ ‏{‏فيم أنت مِن ذِكراها‏}‏ أي‏:‏ لست في شيءٍ من علمها وذِكْرِها‏.‏ والمعنى‏:‏ إنك لا تعلمها ‏{‏إلى ربك منتهاها‏}‏ أي‏:‏ منتهى علمها ‏{‏إنما أنت منذر من يخشاها‏}‏ وقرأ أبو جعفر «منذرٌ» بالتنوين‏.‏ ومعنى الكلام‏:‏ إنما أنت مُخَوِّفٌ من يخافها‏.‏ والمعنى‏:‏ إنما ينفع إنذارك من يخافها، وهو المؤمن بها‏.‏ وأما من لا يخافها فكأنه لم يُنْذَر ‏{‏كأنهم‏}‏ يعني‏:‏ كفار قريش ‏{‏يوم يرَونها‏}‏ أي‏:‏ يعاينون القيامه ‏{‏لم يلبثوا‏}‏ في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ في قبورهم ‏{‏إلا عشية أو ضحاها‏}‏ أي‏:‏ قَدْر آخر النهار من بعد العصر، أو أوله إلى أن ترتفع الشمس‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والهاء والألف في «ضحاها» عائدان إلى العشية‏.‏ والمعنى‏:‏ إلا عشية، أو ضحى العشية‏.‏ قال الفراء‏.‏

فإن قيل‏:‏ للعشية ضحى، إنما الضحى لصدر النهار‏؟‏‏.‏

فالجواب‏:‏ أن هذا ظاهر في كلام العرب أن يقولوا‏:‏ آتيك العشية، أو غداتَها، أو آتيك الغداةَ، أو عَشِيَّتَها، فتكون العشية في معنى «آخر»، والغداة في معنى «أول»‏.‏ أنشدني بعض بني عقيل‏:‏

نَحْنُ صَبَحْنَا عَامِراً في دَارِها *** عَشِيَّةَ الهِلاَلِ أو سِرارِها

أراد‏:‏ عشية الهلال، أو عشية سرار العشية، فهذا أشد من قولهم‏:‏ آتيك الغداة أو عشيتها‏.‏

سورة عبس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏عَبَسَ وَتَوَلَّى ‏(‏1‏)‏ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ‏(‏3‏)‏ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ‏(‏4‏)‏ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ‏(‏5‏)‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ‏(‏6‏)‏ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ‏(‏8‏)‏ وَهُوَ يَخْشَى ‏(‏9‏)‏ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ‏(‏10‏)‏ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ‏(‏11‏)‏ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ‏(‏12‏)‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ‏(‏13‏)‏ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ‏(‏14‏)‏ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ‏(‏15‏)‏ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عبس وتولَّى‏}‏ قال المفسرون‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأُمية وأُبَيَّاً ابني خلف، ويَدْعوهم إلى الله تعالى، ويرجو إسلامهم، فجاء ابن أم مكتوم الأعمى، فقال‏:‏ علِّمني يا رسول الله مما علَّمك الله، وجعل يناديه، ويكرِّر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بكلام غيره، حتى ظهرت الكراهية في وجهه صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل على القوم يكلِّمهم، فنزلت هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعد ذلك، ويقول‏:‏ مرحباً بمن عاتبني فيه ربي‏.‏ وذهب قوم، منهم مقاتل، إلى أنه إنما جاء ليؤمن، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم اشتغالاً بالرؤساء، فنزلت فيه هذه الآيات‏.‏

ومعنى «عبس» قطَب وكَلَح «وتَوَلَّى» أعرض بوجهه ‏{‏أن جاءه‏}‏ أي‏:‏ لأن جاءه‏.‏ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، والحسن، وأبو المتوكل، وأبو عمران «آن جاءه» بهمزة واحدة مفتوحة ممدودة‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، «أَأَن» بهمزتين مقصورتين مفتوحتين‏.‏ و‏{‏الأعمى‏}‏ هو ابن أم مكتوم، واسمه عمرو بن قيس‏.‏ وقيل‏:‏ اسمه عبد الله بن عمرو ‏{‏وما يدريك لعلَّه يَزَّكَّى‏}‏ أي‏:‏ يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح، وما يتعلَّمه منك‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ لعله يؤمن ‏{‏أو يَذَّكَّرُ‏}‏ أي‏:‏ يتعظ بما يتعلمه من مواعظ القرآن ‏{‏فتنفعَه الذكرى‏}‏ قرأ حفص عن عاصم «فتنفعه» بفتح العين، والباقون برفعها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ من نصب، فعلى جواب «لعل» ومن رفع، فعلى العطف على «يزَّكَّى»‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أما من استغنى‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ استغنى عن الله وعن الإيمان بماله‏.‏ قال مجاهد‏:‏ «أما من استغنى»‏:‏ عتبة، وشيبة، ‏{‏فأنت له تَصَدَّى‏}‏‏.‏ قرأ ابن كثير، ونافع، «تصَّدَّى» بتشديد الصاد‏.‏ وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «تَصَدَّى» بفتح التاء، والصاد وتخفيفها، وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو الجوزاء، وعمرو بن دينار «تَتَصَدَّى» بتاءين مع تخفيف الصاد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الأصل‏:‏ تتصدى، ولكن حذفت التاء الثانية لاجتماع تاءين‏.‏ ومن قرأ «تَصَدَّى» بإدغام التاء، فالمعنى أيضاً‏:‏ تتصدى، إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب مخرج التاء من الصاد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ «تَصَدَّى» تقبل عليه بوجهك‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ تتعرض‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، والجحدري، ‏{‏تُصْدَى‏}‏ بتاء واحدة مضمومة، وتخفيف الصاد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما عليك‏}‏ أي‏:‏ أي شيءٍ عليك في أن لا يُسْلِمَ مَنْ تدعوه إلى الإسلام‏؟‏ يعني‏:‏ أنه ليس عليه إلا البلاغ‏.‏

‏{‏وأمَّا من جاءك يسعى‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ يمشي‏.‏

والثاني‏:‏ يعمل في الخير، وهو ابن أم مكتوم ‏{‏وهو يخشى‏}‏ الله ‏{‏فأنت عنه تلهَّى‏}‏ وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف، وأبو الجوزاء «تتلهى» بتاءين‏.‏

وقرأ أُبيّ ابن كعب، وابن السميفع، والجحدري، «تُلْهَى» بتاءٍ واحدة خفيفة مرفوعة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ تتشاغل عنه‏.‏ يقال‏:‏ لهيت عن الشيء ألهى عنه‏:‏ إذا تشاغلتَ عنه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي‏:‏ لا تفعل ذلك‏.‏ ‏{‏إنها‏}‏ في المكني عنها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ آيات القرآن، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ هذه السورة، قاله الفراء «والتذكرة» بمعنى التذكير ‏{‏فمن شاء ذكره‏}‏ مفسر في آخر ‏[‏المدثر‏:‏ 55‏]‏‏.‏ ثم أخبر بجلالة القرآن عنده، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏في صُحُفٍ مُكَرَّمة‏}‏ أي‏:‏ هو في صحف، أي‏:‏ في كتب مكرَّمة، وفيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها اللوح المحفوظ، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ كتب الأنبياء، ذكره الثعلبي‏.‏ فعلى هذا يكون معنى «مرفوعة» عالية القدر‏.‏ وعلى الأول يكون رفعها كونها في السماء‏.‏

وفي معنى «المطهرة» أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ مطهرة من أن تنزل على المشركين، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ مطهرة من الشرك والكفر، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ لأنه لا يمسها إلا المطهرون، قاله الفراء‏.‏

والرابع‏:‏ مطهرة من الدنس، قاله يحيى بن سلام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بأيدي سفرة‏}‏ فيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم الملائكة، قاله الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله وهب بن منبه‏.‏

وفي معنى «سفرة» ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم الكتَبَة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج‏.‏ قال الزجاج‏:‏ واحدهم‏:‏ سَافر، وسَفَرَة، مثل كَاتِب، وكَتَبَة، وكافِر وكَفَرة‏.‏ وإنما قيل للكتاب‏:‏ سفر، وللكاتب‏:‏ سافر، لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه‏.‏ يقال‏:‏ أسفر الصبح‏:‏ إذا أضاء‏.‏ وسفرت المرأة‏.‏ إذا كشفت النقاب عن وجهها‏.‏ ومنه‏:‏ سفرتُ بين القوم، أي‏:‏ كشفتُ ما في قلب هذا، وقلب هذا، لأُصْلِحَ بينهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم القراء، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم السفراء، وهم المصلحون‏.‏ قال الفراء‏:‏ تقول العرب‏:‏ سفرتُ بين القوم، أي‏:‏ أصلحتُ بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله، كالسفير الذي يصلح بين القوم‏.‏ قال الشاعر‏:‏

وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمي *** وَمَا أَمشي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كِرَامٍ‏}‏ أي‏:‏ على ربِّهم ‏{‏بَرَرَةٍ‏}‏ أي‏:‏ مطيعين‏.‏ قال الفراء‏:‏ واحد ‏{‏البررة‏}‏ في قياس العربية‏:‏ بَارٌّ، لأن العرب لا تقول‏:‏ فَعَلَة ينوون به الجمع إلا والواحد منه فاعل، مثل كافر، وكَفَرة، وفاجر، وفَجَرَة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 32‏]‏

‏{‏قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ‏(‏17‏)‏ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ‏(‏18‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ‏(‏19‏)‏ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ‏(‏20‏)‏ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ‏(‏22‏)‏ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ‏(‏23‏)‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ‏(‏24‏)‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ‏(‏26‏)‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ‏(‏27‏)‏ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ‏(‏28‏)‏ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ‏(‏29‏)‏ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ‏(‏30‏)‏ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ‏(‏31‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏32‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قتل الإنسان‏}‏ أي‏:‏ لعن‏.‏ والمراد بالإنسان هاهنا‏:‏ الكافر‏.‏ وفيمن عنى بهذا القول ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه أشار إلى كل كافر، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أُمية بن خلف، قاله الضحاك‏.‏

والثالث‏:‏ عتبة بن أبي لهب، قاله مقاتل‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أكفره‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ما أشد كفره، قاله ابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ أي شيء أكفَره‏؟‏ قاله السدي‏.‏ فعلى هذا يكون استفهام توبيخ‏.‏

الثالث‏:‏ أنه على وجه التعجُّب، وهذا التعجب يؤمر به الآدميون والمعنى‏:‏ اعجبوا أنتم من كفره، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من أيِّ شيءٍ خَلَقَه‏}‏ ثم فسره فقال تعالى‏:‏ ‏{‏من نطفةٍ خَلَقه‏}‏، وفي معنى «فقدره» ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ قدَّر أعضاءه‏:‏ رأسه، وعينيه، ويديه، ورجليه، قاله ابن السائب‏.‏

والثاني‏:‏ قدَّره أطواراً‏:‏ نطفة، ثم علقة، إلى آخر خلقه، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ فقدره على الاستواء، قاله الزجاج‏.‏

‏{‏ثم السبيل يسَّره‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ سهَّل له العلم بطريق الحق والباطل، قاله الحسن، ومجاهد‏.‏ قال الفراء‏:‏ والمعنى‏:‏ ثم يسره للسبيل‏.‏

والثاني‏:‏ يسر له السبيل في خروجه من بطن أمه، قاله السدي، ومقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأقبرَه‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي‏:‏ جعله مقبوراً، ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير، فكأنَّ القبر مما أُكْرِم به المسلم‏.‏ ولم يقل‏:‏ قبره، لأن القابر هو الدافن بيده‏.‏ والمُقْبِرُ الله، لأنه صيَّره مقبوراً، فليس فعله كفعل الآدمي‏.‏ والعرب تقول‏:‏ بَتَرْتُ ذَنَبَ البعير، والله أبتره‏.‏ وَعضَبْتُ قَرْنَ الثور، والله أَعْضَبَه‏.‏ وطردتُ فلاناً عني، والله أطرده، أي‏:‏ صيَّره طريداً‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ أقبره‏:‏ أي أمر أن يقبر، وجعل له قبراً‏.‏ قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل صالح بن عبد الرحمن‏:‏ أقبرنا صالحاً، فقال‏:‏ دونكموه‏.‏ والذي يدفن بيده هو القابر‏.‏ قال الأعشى‏:‏

لَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِها *** عاش وَلَمْ يُسْلَم إلى قَابِرِ

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إذا شاء أنشره‏}‏ أي‏:‏ بعثه‏.‏ يقال‏:‏ أنشر الله الموتى، فَنُشِرُوا، ونَشَر الميِّتُ‏:‏ حَيِيَ ‏[‏هو‏]‏ بِنَفْسه، وواحدهم ناشر‏.‏ قال الأعشى‏:‏

حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مَمَّا رَأَوْا *** يَا عَجَبَاً لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ قال الحسن‏:‏ حقاً ‏{‏لمّا يقضِ ما أمره‏}‏ به ربُّه، ولم يؤدِّ ما فرض عليه‏.‏ وهل هذا عام، أم خاص‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه عام‏.‏ قال مجاهد‏:‏ لا يقضي أحد أبداً كُلَّ ما افترض الله عليه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خاص للكافر لم يقض ما أُمِرَ به من الإيمان والطاعة، قاله يحيى بن سلام‏.‏ ولما ذَكَر خَلْق ابن آدم، ذكر رزقه ليعتبر وليستدلَّ بالنبات على البعث، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان إلى طعامه‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني به عتبة بن أبي لهب‏.‏ ومعنى الكلام‏:‏ فلينظر الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي جعله سبباً لحياته‏؟‏ ثم بين فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أنّا‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «إنا» بالكسر‏.‏

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ‏{‏أنا صببنا‏}‏ بفتح الهمزة في الوصل وفي الابتداء، ووافقهم رويس على فتحها في الوصل، فإذا ابتدأ كسر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ من كسر «إنا» فعلى الابتداء والاستئناف، ومن فتح، فعلى البدل من الطعام، المعنى‏:‏ فلينظر الإنسان أنا صببنا‏.‏ قال المفسرون‏:‏ أراد بصب الماء‏:‏ المطر‏.‏ ‏{‏ثم شققنا الأرض‏}‏ بالنبات ‏{‏شقاً فأنبتنا فيها حباً‏}‏ يعني به جميع الحبوب التي يُتَغَذَّى بها ‏{‏وعِنَباً وقَضْباً‏}‏ قال الفراء‏:‏ هو الرَّطبة‏.‏ وأهل مكة يسمون القَتَّ‏:‏ القضب‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ ويقال‏:‏ إنه سمي بذلك، لأنه يُقْضَبُ مرة بعد مرة، أي‏:‏ يقطع، وكذلك القَصيل، لأنه يُقْصَلُ، أي يقطع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وزيتوناً ونخلاً وحدائق غُلْباً‏}‏ قال الفراء‏:‏ كل بستان كان عليه حائط، فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل‏:‏ حديقة‏.‏ والغُلْب‏:‏ ما غلظ من النخل‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ يقال‏:‏ شجرة غَلْباء‏:‏ إذا كانت غليظة‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ الغُلب‏:‏ الغِلاظ الأعناق‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هي المتكاثفةُ، العظامُ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفاكهة‏}‏ يعني‏:‏ ألوان الفاكهة ‏{‏وأبأ‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه ما ترعاه البهائم، قاله ابن عباس، وعكرمة، واللغويون‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هو جميع الكلأ التي تعتلفه الماشية‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الثمار الرطبة، رواه الوالبي عن ابن عباس‏.‏

‏{‏متاعاً لكم ولأنعامكم‏}‏ قد بَيَّنَّاه في السورة التي قبلها ‏[‏النازعات‏:‏ 33‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 42‏]‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ‏(‏33‏)‏ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ‏(‏34‏)‏ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ‏(‏35‏)‏ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ‏(‏36‏)‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ‏(‏37‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ‏(‏38‏)‏ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ‏(‏39‏)‏ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ‏(‏40‏)‏ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ‏(‏41‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ‏(‏42‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا جاءت الصاخة‏}‏ وهي الصيحة الثانية‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ الصاخة تصِخُّ صَخَّاً، أي‏:‏ تُصِمُّ‏.‏ يقال‏:‏ رجل أصخ، وأصلخ‏:‏ إذا كان لا يسمع‏.‏ والداهية صاخة أيضاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هي الصيحة التي تكون عليها القيامة، تصخ الأسماع، أي‏:‏ تصمها، فلا تسمع إلا ما تدعى به لإحيائها‏.‏ ثم فسر في أي وقت تجيء، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يَفِرُّ المرء من أخيه‏}‏ قال المفسرون‏:‏ المعنى‏:‏ لا يلتفت الإنسان إلى أحد من أقاربه، لِعِظَم ما هو فيه‏.‏ قال الحسن‏:‏ أول من يَفِرُّ من أخيه هابيل، ومن أُمه وأبيه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح‏.‏ وقال قتادة‏:‏ يفر هابيل من قابيل، والنبي صلى الله عليه وسلم من أُمه، وإبراهيم من أبيه، ولوط من صاحبته، ونوح من ابنه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغنيه‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي‏:‏ يَشْغَلُه عن قرابته‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ أي‏:‏ يَصْرِفه ويصدُّه عن قرابته، يقال‏:‏ اغْنِ عني وجهك، أي‏:‏ اصرفه، واغْن عني السفيه‏.‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والزهري، وأبو العالية، وابن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي عبلة، «يَعنيه» بفتح الياء والعين غير معجمة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معنى الآية‏:‏ له شأن لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره‏.‏ وكذلك قراءة من قرأ «يغنيه» بالغين، معناه‏:‏ له شأن لا يهمه معه غيره‏.‏

وقد روى أنس بن مالك قال‏:‏ قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنحشر عراةً‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ واسوءتاه، فأنزل الله تعالى ‏{‏لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ مُسْفِرة‏}‏ أي‏:‏ مضيئة قد علمت ما لها من الخير ‏{‏ضَاحِكَةٌ‏}‏ لسرورها ‏{‏مستبشرة‏}‏ أي‏:‏ فرحة بما نالها من كرامة الله عز وجل ‏{‏ووجوه يومئذ عليها غَبَرة‏}‏ أي‏:‏ غبار‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ أي سواد وكآبة ‏{‏ترهقها‏}‏ أي‏:‏ تغشاها ‏{‏قَتَرة‏}‏ أي‏:‏ ظُلمة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يعلوها سواد كالدخان‏.‏ ثم بَيَّن مَنْ أَهْلُ هذه الحال، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك هم الكَفَرة الفَجَرة‏}‏ وهو جمع كافر وفاجر‏.‏

سورة التكوير

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ‏(‏4‏)‏ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ‏(‏5‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ‏(‏6‏)‏ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ‏(‏7‏)‏ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ‏(‏8‏)‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ‏(‏9‏)‏ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ‏(‏11‏)‏ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ‏(‏13‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ‏(‏14‏)‏‏}‏

روى أبو عبد الله الحاكم في «صحيحه» من حديث عبد الله بن عمر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا الشمس كورت‏}‏ ‏"‏‏.‏ وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُوِّرَتْ‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أظلمت، رواه الوالبي عن ابن عباس، وكذلك قال الفراء‏:‏ ذهب ضوؤها، وهذا قول قتادة، ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ ذَهَبَتْ، رواه عطية عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد‏:‏ اضمحلَّتْ‏.‏

والثالث‏:‏ غُوِّرَتْ، روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن الأنباري، وهذا من قول الناس بالفارسية‏:‏ كُورْبكرد‏.‏ وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال‏:‏ هو بالفارسية كورُبورْ‏.‏

والرابع‏:‏ أنها تُكَوَّرُ مثل تكوير العمامة، فتلفُّ وتمحى، قاله أبو عبيد‏.‏

قال الزجاج‏:‏ ومعنى «كُوِّرت» جمع ضوؤها، ولُفَّتْ كما تلف العمامة‏.‏ ويقال‏:‏ كَوَّرْتُ العمامة على رأسي أُكوِّرُها‏:‏ إذا لَفَفْتَها‏.‏ قال المفسرون‏:‏ تُجمع الشمس بعضُها إلى بعض، ثم تُلَفُّ ويرمى بها في البحر‏.‏ وقيل‏:‏ في النار‏.‏ وقيل تعاد إلى ما خلقت منه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا النجوم انكدرَتْ‏}‏ أي‏:‏ تناثرت، وتهافتت‏.‏ يقال انكدر الطائر في الهواء‏:‏ إذا انقضَّ ‏{‏وإذا الجبال سُيِّرت‏}‏ عن وجه الأرض، فاستوت مع الأرض ‏{‏وإذا العشار عُطِّلَتْ‏}‏ قال المفسرون وأهل اللغة‏:‏ العشار‏:‏ النوق الحوامل، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر فقيل لها‏:‏ العشار لذلك، وذلك الوقت أَحْسَنُ زَمَانِ حَمْلِها، وهي تضع إذا وَضَعَتْ لتمامٍ في سنة، فهي أنفس ما للعرب عندهم، فلا يعطلونها إلا لإتيان ما يَشْغَلهم عنها، وإنما خوطبت العرب بأمر العشار، لأن أكثر عيشهم ومالهم من الإبل‏.‏ ومعنى «عُطِّلت» سُيِّبَتْ وأُهْمِلَتْ، لإشتغالهم عنها بأهوال القيامة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا الوحوش‏}‏ يعني‏:‏ دوابَّ البحر ‏{‏حشرت‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ماتت، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ جمعت إلى القيامة، قاله السدي‏.‏ وقد زدنا هذا شرحاً في ‏[‏الأنعام‏:‏ 111‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا البِحار سُجِّرت‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «سُجِرَتُ» بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون بتشديدها‏.‏

وفي المعنى ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أُوقِدَتْ فاشتعلت ناراً، قاله علي وابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ يبست، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ ملئت بأن صارت بحراً واحداً، وكثر ماؤها، قاله ابن السائب، والفراء، وابن قتيبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا النُّفوس زُوِّجَتْ‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ قرنت بأشكالها، قاله عمر رضي الله عنه‏.‏ الصالح مع الصالح في الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار، وهذا قول الحسن، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ رُدَّت الأرواح إلى الأجساد، فَزُوِّجَت بها، قاله الشعبي‏.‏ وعن عكرمة كالقولين‏.‏

والثالث‏:‏ زُوِّجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين، قاله عطاء، ومقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا الموؤودة سئلت‏}‏ قال اللغويون‏:‏ الموؤودة‏:‏ البنت تُدْفَن وهي حَيَّةٌ، وكان هذا من فعل الجاهلية‏.‏

يقال‏:‏ وَأَدَ وَلَدَهُ، أي‏:‏ دفنه حياً‏.‏ قال الفرزدق‏:‏

وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الوَائِدَا *** تِ فَأَحْيَا الوَئِيدَ وَلَمْ يُوأَدِ

يعني‏:‏ صعصعة بن صوحان، وهو جَدّ الفرزدق‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعنى سؤالها‏:‏ تبكيت قاتليها في القيامة، لأن جوابها‏:‏ قتلت بغير ذنب‏.‏ ومثل هذا التبكيت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين‏؟‏‏!‏‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏‏.‏ وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وهارون عن أبي عمرو «سَأَلَتْ» بفتح السين، وألف بعدها ‏{‏بأيِّ ذنب قُتِلَتُ‏}‏ بإسكان اللام، وضم التاءَ الأخيرة‏.‏ وسؤالها هذا أيضاً تبكيت لقاتليها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، فكان أوان ولادها حفرت حفيرة، فتمخَّضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية رَمَتْ بها في الحفيرة، وإن ولدت غلاماً حبسته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ‏}‏ قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب «نُشِرَتْ» بالتخفيف، والباقون بالتشديد‏.‏ والمراد بالصحف‏:‏ صحائف أعمال بني آدم تنشر للحساب ‏{‏وإذا السماء كشطت‏}‏ قال الفراء‏:‏ نُزِعَتْ، فطُوِيَتْ‏.‏ وفي قراءة عبد الله «قُشِطَتْ» بالقاف، وهكذا تقوله قيس، وتميم، وأسد، بالقاف‏.‏ وأما قريش، فتقوله بالكاف، والمعنى واحد‏.‏

والعرب تقول‏:‏ القافور، والكافور، والقسط، والكسط‏.‏ وإذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا في اللغات، كما يقال‏:‏ حَدَثٌ، وَحدَتٌ‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ كُشِطَتْ كما يُكْشَطُ الغِطَاء عن الشيء، فطُوِيَتْ‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ قلعت كما يقلع السقف‏.‏ و‏{‏سُعِرت‏}‏ أُوقدت‏.‏ وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «سُعِّرت» مشددة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى واحد‏.‏ إلا أن معنى المشدد‏:‏ أُوقدت مرة بعد مرة‏.‏ و‏{‏أُزْلِفَتْ‏}‏ قُرِّبَتْ من المتقين‏.‏ وجواب هذه الأشياء ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏ أي‏:‏ إذا كانت هذا الأشياء عَلِمَتْ في ذلك الوقت كلُّ نفس ما أحضرت من عمل، فأثيبتْ على قدر عملها‏.‏ وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏‏:‏ لهذا جرى الحديث‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ من أول السورة إلى هاهنا اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا، وستة في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 29‏]‏

‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ‏(‏15‏)‏ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ‏(‏17‏)‏ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‏(‏19‏)‏ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ‏(‏20‏)‏ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ‏(‏21‏)‏ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ‏(‏22‏)‏ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ‏(‏23‏)‏ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ‏(‏24‏)‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ‏(‏25‏)‏ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ‏(‏26‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏27‏)‏ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ‏(‏28‏)‏ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا أقسم‏}‏ لا زائدة، والمعنى‏:‏ أقسم ‏{‏بالخُنَّس‏}‏ وفيها خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها خمسة أنجم تَخْنُس بالنهار فلا تُرى، وهي زُحَل، وعُطَارد، والمشتري، والمرِّيخ، والزُّهرة، قاله علي، وبه قال مقاتل، وابن قتيبة‏.‏ وقيل‏:‏ اسم المشتري‏:‏ البرجس‏.‏ واسم المريخ‏:‏ بهرام‏.‏

والثاني‏:‏ أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة على الإطلاق، وبه قال أبو عبيدة‏.‏

والثالث‏:‏ أنها بقر الوحش، قاله ابن مسعود‏.‏

والرابع‏:‏ الظباء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير‏.‏

والخامس‏:‏ الملائكة، حكاه الماوردي‏.‏ والأكثرون على أنها النجوم‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ وإنما سماها خُنَّساً، لأنها تسير في البروج والمنازل، كسير الشمس والقمر، ثم تَخْنُس، أي‏:‏ ترجع، بينا يرى أحدها في آخر البروج كَرَّ راجعاً إلى أوله، وسماها كُنَّساً، لأنها تكنس، أي‏:‏ تسير كما تكنس الظباء، وقال الزجاج‏:‏ تخنس، أي‏:‏ تغيب، وكذلك تكنس، أي‏:‏ تغيب في المواضع التي تغيب فيها‏.‏ وإذا كان المراد الظباء فهو يدخل الكناس، وهو الغصن من أغصان الشجر‏.‏ ووقف يعقوب على «الجواري» بالياء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والليل إذا عسعس‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ولَّى، قاله ابن عباس، وابن زيد، والفراء‏.‏

والثاني‏:‏ أقبل، قاله ابن جبير، وقتادة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ عسعس الليل‏:‏ إذا أقبل‏.‏ وعسعس‏:‏ إذا أدبر‏.‏ واستدل من قال‏:‏ إن المراد‏:‏ إدباره بقوله تعالى ‏{‏والصبح إذا تَنَفَّس‏}‏ وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط‏:‏

حتى إذا الصُّبْحُ لها تَنَفَّسا *** وإنجاب عنها لَيْلُها وعَسْعَسَا

وفي قوله تعالى ‏{‏تَنَفَّس‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه طلوع الفجر، قاله علي وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ طلوع الشمس، قاله الضحاك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معناه‏:‏ إذا امتد حتى يصير نهاراً بَيِّناً‏.‏ وجواب القسم في قوله‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بالخُنَّس‏}‏ وما بعده قولُه ‏{‏إنه لقول رسول كريم‏}‏ يعني‏:‏ أن القرآن نزل به جبريل‏.‏ وقد بيَّنَّا هذا في ‏[‏الحاقة‏:‏ 40‏]‏‏.‏ ثم وصف جبريل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذي قوة‏}‏ وهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذو مرة‏}‏ وقد شرحناه في ‏[‏النجم آية‏:‏ 6‏]‏ ‏{‏ذي قوة عند ذي العرش مكين‏}‏ يعني‏:‏ في المنزلة ‏{‏مُطَاع ثَمَّ أمين‏}‏ أي‏:‏ في السموات تطيعه الملائكة‏.‏ فَمِنْ طَاعَةِ الملائكة له‏:‏ أنه أَمَرَ خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم فدخلها ورأى ما فيها، وأمر خازن جهنم ففتَح له عنها حتى نظر إليها‏.‏ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وابن مسعود، وأبو حيوة، «ثُمَّ» بضم الثاء‏.‏ ومعنى «أَمين» على وحي الله ورسالاته‏.‏ قال أبو صالح‏:‏ أمين على أن يدخل سبعين سرادقاً من نور بغير إذن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما صاحبكم بمجنون‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم، والخطاب لأهل مكة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وهذا أيضاً من جواب القسم، وذلك أنه أقسم أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمداً ليس بمجنون كما يقول أهل مكة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد رآه بالأفق المبين‏}‏ قال المفسرون‏:‏ رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته بالأفق، وقد ذكرنا هذا في سورة ‏[‏النجم‏:‏ 7‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هو‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏على الغيب‏}‏ أي‏:‏ على خبر السماء الغائب عن أهل الأرض ‏{‏بضنين‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ورويس، «بظنين» بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ من قرأ بالظاء، فالمعنى‏:‏ ما هو بمُتَّهم على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى‏:‏ ليس ببخيل عليكم بعلم ما غابَ عنكم مما ينفعكم‏.‏ وقال غيره‏:‏ ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هو‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏بقول شيطان رجيم‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن كفار مكة قالوا‏:‏ إنما يجيء به الشيطان، فيلقيه على لسان محمد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأين تذهبون‏}‏ قال الزجاج‏:‏ معناه‏:‏ فأيَّ طريق تسلكون أَبْيَنَ من هذه الطريقة التي قد بَيَّنَتُ لكم‏؟‏ ‏{‏إن هو‏}‏ أي‏:‏ ما هو، يعني‏:‏ القرآن ‏{‏إلا ذكر للعالمين‏}‏ أي‏:‏ موعظة للخلق أجمعين ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏}‏ على الحق والإيمان‏.‏ والمعنى‏:‏ أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق‏.‏ وقد بيَّنَّا سبيل الإستقامة، فمن شاء أخذ في تلك السبيل‏.‏ ثم أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه بما بعد هذا، وقد بَيَّنَّا هذا في سورة ‏[‏الإنسان‏:‏ 30‏]‏ قال أبو هريرة‏:‏ لما نزلت ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏}‏ قالوا‏:‏ الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏}‏ وقيل‏:‏ القائل لذلك أبو جهل‏.‏ وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو المتوكل، وأبو عمران‏:‏ «وما يشاؤون» بالياء‏.‏

فصل

وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله تعالى ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏}‏ وقوله تعالى في ‏[‏عبس‏:‏ 12‏]‏ ‏{‏فمن شاء ذكره‏}‏ وقوله تعالى في سورة ‏[‏الإنسان‏:‏ 29‏]‏ وفي سورة ‏[‏المزمل‏:‏ 18‏]‏ ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا‏}‏ كله منسوخ بقوله تعالى ‏{‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله‏}‏ ولا أرى هذا القول صحيحاً، لأنه لو جاز وقوع مشيئتهم مع عدم مشيئته توجَّه النسخ‏.‏ فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا تقع إلا بعد مشيئته، فليس للنسخ وجه‏.‏

سورة الانفطار

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ‏(‏4‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ‏(‏6‏)‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ‏(‏7‏)‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏(‏8‏)‏ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ‏(‏9‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ‏(‏10‏)‏ كِرَامًا كَاتِبِينَ ‏(‏11‏)‏ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ‏(‏12‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ‏(‏14‏)‏ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏15‏)‏ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏18‏)‏ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا السماء انفطرت‏}‏ انفطارها‏:‏ انشقاقها‏.‏ و‏{‏انتثرت‏}‏ بمعنى تساقطت‏.‏ و‏{‏فجرت‏}‏ بمعنى فُتح بعضها في بعض فصارت بحراً واحداً‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ذهب ماؤها، و‏{‏بُعْثِرَتْ‏}‏ بمعنى أثيرت‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ قُلِبَتْ فأُخْرِج ما فيها‏.‏ يقال بَعْثَرْتُ المتاع وبَحْثَرْتُه‏:‏ إذا جعلتَ أسفله أعلاه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏علمت نفس ما قدَّمت وأخَّرت‏}‏ هذا جواب الكلام‏.‏ وقد شرحناه في قوله تعالى ‏{‏يُنَبَّأُ الإنسان يومئذ بما قدَّم وأخَّر‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 13‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه عُنِيَ به أبو الأشدين، وكان كافراً، قاله ابن عباس، ومقاتل‏.‏ وقد ذكرنا اسمه في ‏[‏المدثر‏:‏ 30‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الوليد بن المغيرة، قاله عطاء‏.‏

والثالث‏:‏ أُبيّ بن خلف، قاله عكرمة‏.‏

والرابع‏:‏ أنه أشار الى كل كافر، ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما غَرَّكَ‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ ما خَدَعك وسوَّلَ لك حتى أضعتَ ما وجب عليك‏؟‏‏.‏ وقال غيره‏:‏ المعنى‏:‏ ما الذي أمَّنك من عقابه وهو كريم متجاوز إذْ لم يعاقبك عاجلاً‏؟‏ وقيل للفضيل بن عياض‏:‏ لو أقامك الله سبحانه يوم القيامة، وقال‏:‏ ما غرَّك بربك الكريم، ماذا كنت تقول‏؟‏ قال‏:‏ أقول‏:‏ غرني سُتورك المرخاة‏.‏ وقال يحيى بن معاذ‏:‏ لو قال لي‏:‏ ما غرك بي‏؟‏ قلت‏:‏ بِرُّك سالفاً وآنفاً‏.‏ قيل‏:‏ لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون سائر صفاته، كان كأنه لقَّن عبده الجواب، ليقول‏:‏ غَرَّني كرم الكريم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي خلقك‏}‏ ولم تك شيئاً ‏{‏فسوَّاك‏}‏ إنساناً تسمع وتبصر ‏{‏فَعَدلك‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «فعدَّلك» بالتشديد‏.‏ وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي «فَعَدَلك» بالتخفيف‏.‏ قال الفراء‏:‏ من قرأ بالتخفيف، فوجهه والله أعلم فصوَّرك إلى أي صورة شاء، إما حَسَن، وإما قبيح، وإما طويل، وإما قصير‏.‏ وقيل‏:‏ في صورة أب، في صورة عم، في صورة بعض القرابات تشبيها‏.‏ ومن قرأ بالتشديد، فإنه أراد والله أعلم-‏:‏ جعلك معتدلاً، معدَّل الخلقة‏.‏ وقال غيره‏:‏ عدَّل أعضاءك فلم تفضل يد على يد، ولا رِجل على رجل، وعدل بك أن يجعلك حيواناً بهيماً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في أي صورة ما شاء ركَّبك‏}‏ قال الزجاج‏:‏ يجوز أن تكون «ما» زائدة‏.‏ ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء، فيكون المعنى‏:‏ في أي صورة ما شاء أن يركِّبك فيها ركبك‏.‏ وفي معنى الآية أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ في أي صورة من صور القرابات ركَّبك، وهو معنى قول مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ في أي صورة، من حسن، أو قبح، أو طول، أو قصر، أو ذَكَر، أو أنثى، وهو معنى قول الفراء‏.‏

والثالث‏:‏ إن شاء أن يركِّبك في غير صورة الإنسان ركبك، قاله مقاتل‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير‏.‏

والرابع‏:‏ إن شاء في صورة إنسان بأفعال الخير‏.‏ وإن شاء في صورة حمار بالبلادة والبله، وإن شاء في صورة كلب بالبخل، أو خنزير بالشره، ذكره الثعلبي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل تكذِّبون بالدِّين‏}‏ وقرأ أبو جعفر «بالياء» أي‏:‏ بالجزاء والحساب، تزعمون أنه غير كائن‏.‏ ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة، فقال تعالى ‏{‏وإن عليكم لحافظين‏}‏ أي‏:‏ من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم ‏{‏كراماً‏}‏ على ربِّهم ‏{‏كاتبين‏}‏ يكتبون أعمالكم ‏{‏يعلمون ما تفعلون‏}‏ من خير وشر، فيكتبونه عليكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الأبرار لفي نعيم‏}‏ وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة ‏{‏وإن الفجار‏}‏ وفيهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المشركون‏.‏

والثاني‏:‏ الظَّلَمة‏.‏ ونقل عن سليمان بن عبد الملك أنه قال لأبي حازم‏:‏ يا ليت شعري ما لنا عند الله‏؟‏ فقال له‏:‏ اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عنده، فقال‏:‏ وأين أجده‏؟‏ قال‏:‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم‏}‏ قال سليمان‏:‏ فأين رحمة الله‏؟‏ قال‏:‏ قريب من المحسنين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يصلونها‏}‏ يعني‏:‏ يدخلون الجحيم مقاسين حرَّها ‏{‏يوم الدِّين‏}‏ أي‏:‏ يوم الجزاء على الأعمال ‏{‏وما هم عنها‏}‏ أي‏:‏ عن الجحيم ‏{‏بغائبين‏}‏ وهذا يدل على تخليد الكفار‏.‏ وأجاز بعض العلماء أن تكون «عنها» كناية عن القيامة، فتكون فائدة الكلام تحقيق البعث‏.‏ ويشتمل هذا على الأبرار والفجار‏.‏ ثم عظَّم ذلك اليوم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما يوم الدِّين‏}‏ ثم كرَّر ذلك تفخيماً لشأنه، وكان ابن السائب يقول‏:‏ الخطاب بهذا للإنسان الكافر، لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم لا تملك نفس لنفس‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «يوم» بالرفع والباقون بالفتح‏.‏ قال الزجاج‏:‏ من رفع «اليوم»، فعلى أنه صفة لقوله تعالى‏:‏ «يوم الدين»‏.‏ ويجوز أن يكون رفعه بإضمار «هو»، ونصبه على معنى‏:‏ هذه الأشياء المذكورة تكون ‏{‏يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً‏}‏ قال المفسرون‏:‏ ومعنى الآية أنه لا يملك الأمرَ أحدٌ إلا الله، ولم يملِّك أحداً من الخلق شيئاً كما ملَّكهم في الدنيا‏.‏ وكان مقاتل يقول‏:‏ لا تملك نفس لنفسٍ كافرةٍ شيئاً من المنفعة‏.‏ والقول على الإطلاق أصح، لأن مقاتلاً فيما أحسب خاف نفي شفاعة المؤمنين‏.‏ والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه‏.‏

سورة المطففين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ‏(‏3‏)‏ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ‏(‏4‏)‏ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويل للمطففين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى ‏{‏ويل للمطففين‏}‏ فأحسنوا الكيل بعد ذلك‏.‏ وقال السدي‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له‏:‏ أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية‏.‏ وقد شرحنا معنى «الويل» في ‏[‏البقرة‏:‏ 79‏]‏‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ المطفف‏:‏ الذي لا يوفي الكيل، يقال‏:‏ إناء طَفَّانُ‏:‏ إذا لم يكن مملوءاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ إنما قيل‏:‏ مطفِّف، لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء الطفيف، وإنما أخذ من طَفَّ الشيء، وهو جانبه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين إذا اكتالوا على الناس‏}‏ أي‏:‏ من الناس‏.‏ ف «على» بمعنى «من» في قول المفسرين واللغويين‏.‏ قال الفراء‏:‏ «على»، و«من» يعتقبان في هذا الموضع، لأنك إذا قلت‏:‏ اكتلت عليك، فكأنك قلت‏:‏ أخذت ما عليك، ‏[‏كيلاً‏]‏، وإذا قلت‏:‏ اكتلت منك، فهو كقولك‏:‏ استوفيت منك‏.‏ ‏[‏كيلاً‏]‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك إذا اتَّزنوا، ولم يَذْكُرْ «إذا اتَّزنوا»، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فيما يُكَال ويُوزَن، فأحدهما يدل على الآخر ‏{‏وإذا كالوهم‏}‏ أي‏:‏ كالوا لهم ‏{‏أو وزنوهم‏}‏ أي‏:‏ وزنوا لهم ‏{‏يُخسِرون‏}‏ أي‏:‏ ينقصون في الكيل، والوزن‏.‏ فعلى هذا لا يجوز أن يقف على «كالوا» ومِنَ الناس من يجعل «هم» توكيداً لما كالوا، ويجوز أن يقف على «كالوا» والاختيار الأول‏.‏ قال الفراء‏:‏ سمعت أعرابية تقول‏:‏

إذا صدر الناس أتينا التاجر، فيكليلنا المدَّ والمدِّين إلى الموسم المقبل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون‏؟‏‏!‏‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ لو ظنوا أنهم يُبْعَثُون ما نقصوا في الكيل والوزن ‏{‏ليوم عظيم‏}‏ يعني به يوم القيامة ‏{‏يوم يقوم الناس‏}‏ منصوب بقوله تعالى «مبعوثون»‏.‏ قال المفسرون‏:‏ والظن هاهنا بمعنى العلم واليقين‏.‏ ومعنى‏:‏ يقوم الناس، أي‏:‏ من قبورهم ‏{‏لرب العالمين‏}‏ أي‏:‏ لأمره، أو لجزائه وحسابه، وقيل‏:‏ يقومون بين يديه لفصل القضاء‏.‏ وفي «الصحيحين» من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ في هذه الآية‏:‏ ‏"‏ يقوم أحدهم في رَشَحِهِ إلى أنصاف أذنيه ‏"‏ وقال كعب‏:‏ يقفون ثلاثمائة عام‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك إذا خرجوا من قبورهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 28‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ‏(‏7‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ‏(‏8‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏9‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ‏(‏11‏)‏ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏17‏)‏ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ‏(‏18‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ‏(‏19‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏20‏)‏ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏22‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏23‏)‏ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ‏(‏24‏)‏ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ‏(‏25‏)‏ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ‏(‏26‏)‏ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ‏(‏27‏)‏ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ ردع وزجر، أي‏:‏ ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا‏.‏ وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء‏.‏ وكان أبو حاتم يقول‏:‏ «كلا» ابتداء يتصل بما بعده على معنى «حقاً» ‏{‏إن كتاب الفجار‏}‏ قال مقاتل‏:‏ إن كتاب أعمالهم ‏{‏لفي سجين‏}‏ وفيها أربعة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الأرض السابعة، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل‏.‏ وروي عن مجاهد قال‏:‏ «سجين» صخرة تحت الأرض السابعة، يجعل كتاب الفجار تحتها، وهذه علامة لخسارتهم، ودلالة على خساسة منزلتهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى إن كتابهم لفي سفال، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ لفي خسار، قاله عكرمة‏.‏

والرابع‏:‏ لفي حبس، فعِّيل من السجن، قاله أبو عبيدة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما سجين‏}‏ هذا تعظيم لأمرها‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ أي‏:‏ ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب مرقوم، أي‏:‏ مكتوب‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ والرقم‏:‏ الكتاب، قال أبو ذؤيب‏:‏

عَرَفْتُ الدِّيَارَ كَرَقْمِ الدَّوَا *** ةِ يَزْبُرُه الكَاتِبُ الحِمْيَرِيُّ

وأنشده الزجاج‏:‏ «يَذْبِرها» بالذال المعجمة، وكسر الباء‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ يقال‏:‏ زبر‏:‏ كتب، وذبر‏:‏ قرأ‏.‏ وروى أبو عمرو عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال‏:‏ الصواب‏:‏ زبرت بالزاي كتبت‏.‏ وذبرت بالذال أتقنت ما حفظت‏.‏ قال‏:‏ والبيت يزبرها، بالزاي والضم‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ يروى «يزبرُها» و«يذبرُها» وهو مثله، يقال‏:‏ زبر الكتاب يزبرُه، ويزبرِه‏.‏ وذَبره يذبرُه، ويذبِره‏.‏ وقال قتادة‏:‏ رقّم له بشرٍّ، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه الكافر‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ إنه مثبت لهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويل يومئذ للمكذبين‏}‏ هذا منتظم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يقوم الناس‏}‏ وما بينهما كلام معترض‏.‏ وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل ران على قلوبهم‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر «بل ران» بفتح الراء مدغمة، وقرأ أبو بكر عن عاصم «بل ران» مدغمة بكسر الراء‏.‏ وقرأ حفص عن عاصم «بل» بإظهار اللام «ران» بفتح الراء‏.‏ قال اللغويون‏:‏ أي‏:‏ غلب على قلوبهم، يقال‏:‏ الخمرة ترين على عقل السكران‏.‏ قال الزجاج‏:‏ قرئت بإدغام اللام في الراء، لقرب ما بين الحرفين، وإظهار اللام جائز، لأنه من كلمة، والرأس من كلمة أخرى‏.‏ ويقال‏:‏ ران على قلبه الذَّنْب يرين ريناً‏:‏ إذا غشي على قلبه، ويقال‏:‏ غان يغين غنياً، والغين كالغيم الرقيق، والرين كالصدأ يغشى على القلب‏.‏ وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول‏:‏ الغين يقال‏:‏ بالراء، وبالغين، ففي القرآن «كلا بل ران» وفي الحديث ‏"‏ إنه ليغان على قلبي ‏"‏ وكذلك الراية تقال بالراء، وبالغين، والرميصاء تكتب «بالغين»، وبالراء، لأن الرمص يكتب بهما‏.‏

قال المفسرون‏:‏ لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم‏.‏ قال الحسن‏:‏ هو الذَّنب على الذَّنب حتى يعمى القلب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي‏:‏ لا يصدِّقون‏.‏ ثم استأنف ‏{‏إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ إنهم عن النظر إلى ربهم يومئذ لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته‏.‏ وقال مالك بن أنس‏:‏ لما حجب أعداءه فلم يَرَوْه تجلَّى لأوليائه حتى رأوه‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ لما حجب قوما بالسُّخْطِ دل على أن قوماً يَرَوْنه بالرضى‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يُرى في القيامة‏.‏ ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسَّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم‏.‏ ثم من بعد حجبهم عن الله يدخلون النار، فذلك قوله تعالى ‏{‏ثم إنهم لصالوا الجحيم‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم يقال‏}‏ أي‏:‏ يقول لهم خزنة النار‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏ العذاب ‏{‏الذي كنتم به تكذبون‏.‏ كلا‏}‏ أي‏:‏ لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه‏.‏ ثم أعلم أين محل ‏{‏كتاب الأبرار‏}‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لفي عليِّين‏}‏ وفيها سبعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الجنة، رواه عطاء عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة، روي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والثالث‏:‏ أنها السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين، قاله كعب، وهو مذهب مجاهد، وابن زيد‏.‏

والرابع‏:‏ أنها قائمة العرش اليمنى، قاله قتادة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ساق العرش‏.‏

والخامس‏:‏ أنه سدرة المنتهى، قاله الضحاك‏.‏

والسادس‏:‏ أنه في علو وصعود إلى الله عز وجل، قاله الحسن‏.‏ وقال الفراء‏:‏ في ارتفاع بعد ارتفاع‏.‏

والسابع‏:‏ أنه أعلى الأمكنة، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما عليُّون‏}‏ هذا تعظيم لشأنها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يشهده المقربون‏}‏ أي‏:‏ يحضر المقرَّبون من الملائكة ذلك المكتوب، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين‏.‏ وما بعد هذا قد سبق بيانه ‏[‏الانفطار‏:‏ 13‏]‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ينظرون‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ إلى ما أعطاهم الله من الكرامة‏.‏

والثاني‏:‏ إلى أعدائهم حين يعذَّبون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تعرف في وجوههم نضرة النعيم‏}‏ وقرأ أبو جعفر، ويعقوب، «تُعرَف» بضم التاء، وفتح الراء «نضرةُ» بالرفع‏.‏ قال الفراء‏:‏ بريق النعيم ونداه، قال المفسرون‏:‏ إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم، لما ترى من الحسن والنور‏.‏ وفي «الرحيق» ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الخمر، قاله الجمهور‏.‏ ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ أجود الخمر، قاله الخليل بن أحمد‏.‏ والثانية‏:‏ الخالصة من الغش، قاله الأخفش‏.‏ والثالث‏:‏ الخمر البيضاء، قاله مقاتل‏.‏ والرابع‏:‏ الخمر العتيقة، حكاه ابن قتيبة‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الشراب الذي لا غش فيه، قاله ابن قتيبة، والزجاج‏.‏ وفي قوله تعالى ‏{‏مختوم‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ممزوج، قاله ابن مسعود‏.‏

والثاني‏:‏ مختوم على إنائه، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ له ختام، أي‏:‏ عاقبة ريح، وتلك العاقبة هي قوله تعالى‏:‏ ختامه مسك، أي‏:‏ عاقبته‏.‏ هذا قول أبي عبيدة‏.‏

‏{‏ختامه مسك‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة «ختامه» بكسر الخاء، وبفتح التاء، وبألف بعدهما، مرفوعه الميم‏.‏ وقرأ الكسائي «خَاتَمه» بخاء مفتوحة، بعدها ألف، وبعدها تاء مفتوحة‏.‏ وروى الشيزري «خَاتِمه» مثل ذلك، إلا أنه يكسر التاء‏.‏ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وعروة، وأبو العالية‏:‏ «خَتَمه» بفتح الخاء والتاء و‏[‏بضم‏]‏ الميم من غير ألف‏.‏

وللمفسرين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ختامه مسك‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ خلطه مسك، قاله ابن مسعود، ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك، ‏[‏قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن طعمه وريحه مسك، قاله علقمة‏.‏

والرابع‏:‏ أن آخر طعمه مسك‏]‏ قاله سعيد بن جبير، والفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏ أي‏:‏ فليجدُّوا في طلبه، وليحرصوا عليه بطاعة الله‏.‏ والتنافس‏:‏ كالتشاحّ على الشيء، والتنازع فيه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومزاجه من تسنيم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم عين في الجنة يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين‏.‏

والثاني‏:‏ أن التسنيم الماء، قاله الضحاك‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وإنما سمي تسنيماً، لأنه يتسنّم عليه من جنة عدن، فينصبُّ عليهم انصباباً، فيشربون الخمر من ذلك الماء‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ يقال‏:‏ إن التسنيم أرفع شراب في الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ إنه يمتزج بماءٍ ينزل من تسنيم، أي‏:‏ من علو‏.‏ وأصل هذا من سنام البعير، ومن تسنيم القبور‏.‏ وهذا أعجب إليَّ، لقول المسيَّب بن عَلَس في وصف امرأة‏:‏

كَأَنَّ بِرِيقَتِها لِلْمِزَا *** جِ مِنْ ثَلْجِ تَسْنِيمَ شِيْبَتْ عُقَاراً

أراد كأن بريقتها عُقَاراً شِيْبَتْ للمزاج من ثلج تسنيم، يريد‏:‏ جبلاً‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ ومزاجه من تسنيم عيناً تأتيهم من تسنيم، أي‏:‏ من علو يَتَسَنَّم عليهم من الغرف‏.‏ ف «عيناً» في هذا القول منصوبة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أو إطعامٌ في يوم ذي مَسْغَبَة يتيماً‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 15‏]‏ ويجوز أن تكون «عيناً» منصوبة بقوله‏:‏ يُسْقَوْن عيناً، أي‏:‏ من عين‏.‏ وقد بينا معنى ‏{‏يشرب بها‏}‏ في ‏[‏هل أتى‏:‏ 6‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 36‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ‏(‏29‏)‏ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ‏(‏30‏)‏ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ‏(‏32‏)‏ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ‏(‏33‏)‏ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ‏(‏34‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏35‏)‏ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين أجرموا‏}‏ أي‏:‏ أشركوا ‏{‏كانوا من الذين آمنوا‏}‏ يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمَّار، وبلال، وخبَّاب وغيرهم ‏{‏يضحكون‏}‏ على وجه الإستهزاء بهم ‏{‏وإذا مرُّوا‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنين ‏{‏بهم‏}‏ أي‏:‏ بالكفار ‏{‏يتغامزون‏}‏ أي‏:‏ يشيرون بالجفن والحاجب استهزاءً بهم ‏{‏وإذا انقلبوا‏}‏ يعني الكُفار ‏{‏إلى أهلهم انقلبوا فكهين‏}‏ أي‏:‏ متعجِّبين بما هم فيه يتفكَّهون بذكرهم‏.‏ وقرأ أبو جعفر، وحفص عن عاصم، وعبد الرزاق عن ابن عامر «فكهين» بغير ألف‏.‏ وقد شرحنا معنى القراءتين في ‏[‏يس‏:‏ 55‏]‏ ‏{‏وإذا رأَوْهم‏}‏ أي‏:‏ رأَوْا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏قالوا إن هؤلاء لضالون‏}‏ يقول الله تعالى ‏{‏وما أُرسلوا‏}‏ يعني الكفار ‏{‏عليهم‏}‏ أي‏:‏ على المؤمنين ‏{‏حافظين‏}‏ يحفظون أعمالهم عليهم، أي‏:‏ لم يُوَكَّلوا بحفظ أعمالهم ‏{‏فاليوم‏}‏ يعني‏:‏ في الآخرة ‏{‏الذين آمنوا من الكفار يضحكون‏}‏ إذا رَأَوْهم يعذَّبون في النار‏.‏ قال أبو صالح‏:‏ يقال لأهل النار وهم فيها‏:‏ اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا أقبلوا يريدون الخروج، غُلِّقت أبوابها دونهم‏.‏ والمؤمنون‏.‏ ‏{‏على الأرآئك ينظرون‏}‏ إلى عذاب عدوِّهم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ لكل رجل من أهل الجنة ثلمة ينظرون إلى أعداء الله كيف يعذَّبون‏.‏ فيحمدون الله على ما أكرمهم به، فهم يكلِّمون أهل النار ويكلمونهم إلى أن تطبق النار على أهلها، فتسد حينئذ الكوى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل ثُوِّب الكفار‏}‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وهارون عن أبي عمرو «هل ثوب» بإدغام اللام‏.‏ أي‏:‏ هل جوزوا وأُثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا‏؟‏ وهذا الإستفهام بمعنى التقرير‏.‏